الشيخ علي المشكيني
364
رسائل قرآنى
البحث الرابع : في معنى قوله تعالى : فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازينُهُ فَاولئِكَ . . . إلى آخر الآيتين . ظاهر الآيتين أنّ الموازين متعدّدة مختلفة ، وأنّ لها ثقلًا وخفّةً ، وأنّ من ثقلت جميع موازينه فهو المفلح ، وأنّ من خفّت جميع موازينه فهو الخاسر . أمّا تعدّد الموازين : فإن جعلناها جمع « الموزون » فهو ظاهر ؛ لأنّك عرفت أنّ ما يوزن من الأمور المربوطة بالعبد كثير ، وهي العقائد والملكات والأفعال . وإن جعلنا الكلمة جمع « الميزان » فالمراد بها أيضاً الموزونات ، وكثيراً ينسب الثقل والخفّة إلى الميزان بلحاظ ما يوزن به . وبالجملة : لا إشكال في تعدّد الموزونات . وأمّا ثقل ذلك وخفّته : فالظاهر أنّ المراد بالثقل رجحان العمل عند اللَّه وحسنُهُ وكماله عند أوليائه المتصدّين لأمر التوزين ، من الأنبياء والأوصياء والملائكة وغيرهم . فثقل العمل ملازم لكونه مطلوباً شرعي ومأموراً به بأمر وجوبيّ أو ندبيّ ، أو مستحسناً عقلًا ؛ فلا يكون الثقيل إلّافي الحسنات ، كما أنّ الخفّة مقابل ذلك ؛ فالعمل الخفيف هو المرجوح المنكر عند اللَّه ، والمبغوض عند أوليائه ، الفاسد الباطل الذي لا وزن له لدى الشرع والعقل . ولا يكون الخفيف إلّافي السيّئات . وهذا معنى عرفي للثقل والخفّة كثير الاستعمال . وعلى هذا فالثقيل أيضاً ذو مراتب ؛ فكلّ ما كان أتمّ وأكمل من حيث الأجزاء والشرائط والخصوصيّات الزايدة على الماهيّة كان أثقل وأوزن ، وكلّ ما كان أقبح كان أخفّ وأرخص . قال المفيد رحمه الله : وإنّما توصف الأعمال بالثقل والخفّة على سبيل المجاز ، والمراد بذلك أنّ ما ثقل منها هو ما كثر واستحقّ عليه عظيم الثواب ، وما خفّ منها ما قلّ قدره ولم يستحقّ عليه جزيل الثواب . يقال : كلام فلان عندي أوزن من كلام فلان ، والمراد به أنّ كلامه أعظم وأفضل قدراً فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازينُهُ بكثرة استحقاقه الثواب اولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوازينُهُ بقلّة أعمال الطاعات فَاولئِكَ الَّذينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ في جَهَنَّمَ خالِدُونَ . « 1 » والقرآن إنّما انزل بلغة العرب ، وحقيقة كلامها ومجازه .
--> ( 1 ) . المؤمنون ( 23 ) : 102 - 103 .